الرئيسية / رأي / د.ياسر عبد العزيز يكتب: شرف “إثيوبيا” وثلاجة “السيسي”

د.ياسر عبد العزيز يكتب: شرف “إثيوبيا” وثلاجة “السيسي”

في اجتماع مع كوادر القيادات الفيدرالية والإقليمية للحزب الحاكم منذ أيام، قال رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد إن بلاده لن تتخلى عن “شرفها” في أزمة سد النهضة، مؤكدا أن أزمة سد النهضة بالنسبة لإثيوبيا قومية لن يتخلى عنها أبدا مهما كانت المكاسب التي ستحصل عليها من الخارج. وأشار إلى أن سد النهضة تم تأسيسه وإدارته بطريقة لا تتعارض مع مصالح الدول الأخرى، على حد زعمه، لكن مواعيد الانتهاء من بناء السد نهائية، وغير قابلة للنقاش.

هذا الموقف من رئيس الوزراء الإثيوبي انطلق من دعم سياسي كبير من أغلب الكتل السياسية، ويواكبه دعم شعبي أكبر للحلم الإثيوبي الذي ينتظر أن ينقل البلاد نقلة نوعية بعد انتهائه بحسب المخطط الذي أعلنته الحكومة، وهو ما ترجمته إرادة سياسية وسيادية كبيرة تمثلت في حديث رئيسة البلاد ساهلورك زودي، التي ذكرت الشعب الإثيوبي بانتصار “عدوة”، حين انتصرت إثيوبيا على إيطاليا عندما حاولت غزوها عام 1896، للتحكم بمدخل البحر الأحمر، فاستعان الإثيوبيون بأسلحة إنجليزية الصنع وضباط إنجليز متقاعدين لتدريب القوات الإثيوبية، واستطاعوا هزيمة الإيطاليين، في معركة أذهلت العالم.

هذا التذكير جاء بمناسبة إطلاق حملة شعبية لجمع التبرعات من أجل إتمام بناء السد في موعده المحدد. والخطاب الجامع الذي أطلقته زودي كان للشد من لحمة المجتمع الإثيوبي وجمعه على مشروع قومي رافع. فزودي وصفت المشروع بأنه نموذج لوحدة الشعب، وأن السد هو أكثر من مجرد مشروع تنموي، فقد وصفت السد بأنه “سلاح إثيوبيا للتغلب على الفقر والأمل في التنمية المستقبلية”.

د.ياسر عبد العزيز يكتب: شرف "إثيوبيا" وثلاجة "السيسي"

في تشرين الأول/ أكتوبر 1952، بعدما شغل الحكومة أمر فيضانات النيل والمياه المهدرة والخسائر التي يسببها الفيضان في كل عام، بعد أن تمت تعلية سد أسوان ثلاث مرات وعدم قدرته مع ذلك على كبح جماح النيل الهادر بحصة مصر الثابتة تاريخيا فيه، تقدم المهندس أدريان دانينوس (المهندس المصري اليوناني الأصل) إلى الحكومة بمشروع لبناء سد ضخم عند أسوان؛ لحجز فيضان النيل وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربائية منه.

سعى جمال عبد الناصر إلى تحويل فكرة السد إلى “حلم قومي”، جند فيه كل طاقات مصر ليخرج إلى الحياة،  وسعى مع كل المسؤولين العرب والأجانب لإيجاد التمويل اللازم له. لكن ذلك الحلم القومي بدا أنه سيتحول لكابوس بعد أن تم عرض المشروع على البنك الدولي لتمويله.

ومع أن البنك أكد سلامة المشروع وقرر اعتماد ثمانية ملايين دولار للأعمال التحضيرية لبناء السد على الرغم من أن المشروع سيتكلف وقتها 1.3 مليار دولار، تدخلت أمريكا الشريك الأكبر في البنك ووضعت شروطا تعجيزية أثارت حفيظة لا الحكومة وحدها، بل شاركها في ذلك المصريون.

هذه الشروط فتحت باب التحدي لا سيما بعد أن سحبت أمريكا تمويل السد، مما دفع بعبد الناصر إلى تأميم قناة السويس، ثم الاتجاه شرقا إلى الاتحاد السوفييتي لتمويل السد. ووقع عبد الناصر في كانون الأول/ ديسمبر 1958 اتفاقية مع موسكو لإقراض مصر 400 مليون روبل لبناء المرحلة الأولى، ثم 500 مليون روبل في عام 1960 لتمويل المرحلة الثانية، ليستمر العمل في السد حتى افتتاحه في 15 كانون الثاني/ يناير 1971.

وعلى الرغم من أن التمويل لم يكن من تبرعات المصريين، كما فعلت زودي في سد نهضة إثيوبيا، لكنها في النهاية قصة كفاح ومثابرة خاضتها القيادة السياسية في حينها بإصرار وعزيمة، مدفوعة برغبة شعبية لولادة مشروع النهضة المصري في حينها، والذي أنار القرى ورشّد الفيضان ونظم الري والزراعة، وفتح الباب أمام إنتاجية أكبر للأراضي المزروعة، بعد أن أصبحت الأرض تزرع أكثر من مرة في العام.

في المقابل وردا على إصرار الحكومة الإثيوبية التي ترى في استكمال بناء سد النهضة تحديا يجب عبوره إلى حد وصف رئيس الوزراء بأن بناء السد شرف كل إثيوبي لا يمكن التفريط فيه، قام النظام المصري بتوقيع اتفاقية مع شركة “أكواباور” السعودية (فعلا سعودية!) لتنفيذ العديد من مشاريع تحلية مياه البحر باستخدام الطاقة المتجددة، لتحسين إمدادات مياه الشرب في مصر.

رد فعل النظام في مصر يذكر بقصة جحا الذي سرق نعله من أمام المسجد فصرخ مهددا: إن لم تعيدوا الحذاء سأفعل مثلما فعل أبي، فخشي الناس أن تكون العواقب وخيمة، فتبرع أحدهم وجمع من المصلين ثمن نعل جديد وأعطوه لجحا، وبعد أن انفض الجمع سأله أحدهم: هددتنا بأبيك حين سرق حذاؤه ولم تخبرنا بما فعل، فأجاب جحا: عاد إلى المنزل حافي القدمين!

ويبدو أن إثيوبيا التي ستنتهي من بناء السد لتعطش الشعب المصري ستوكل ري ظمأ الشعب المصري لثلاجة السيسي.

عن Aml Alommah

شاهد أيضاً

د.أحمد ذكر الله يكتب: خصخصة "مشروعات الجيش".. قنبلة دخان.. ماذا وراءها؟

د.أحمد ذكر الله يكتب: خصخصة “مشروعات الجيش”.. قنبلة دخان.. ماذا وراءها؟

لم يكن مفاجئًا لي شخصياً حديث السيسي حول طرح بعض مشروعات الجيش الاقتصادية في البورصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *