الرئيسية / اقتصاد / العام 2019.. تداعي الاقتصاد المصري الأسباب والنتائج

العام 2019.. تداعي الاقتصاد المصري الأسباب والنتائج

منذ خمسة أعوام والاقتصاد المصري يتداعى بطريقة مخيفة هبوطاً لا تجد إلى كبحها سبيلاً، مروراً بكمية الديون المخيفة التي تتم كل صبيحة نهار داخلياً وخارجياً.

وهناك خمسة أرقام يجب التوقف عندها كثيراً لمن أراد إصلاحاً لهذا البلد ومعالجة تأثيراتها الخطيرة ، ووقف النزيف في الاقتصاد القومي الناتج عن زيادة كلفة الاقتراض الخارجي والمحلي.

يجب وفوراً توجيه الجزء الأكبر من موارد البلاد لسداد أعباء الديون، وبالتوازي معه يتطلّب هذا زيادة الانتاج وإقامة مصانع ومدارس ومستشفيات وطرق وغيرها من مشروعات البنية التحتية .

وتتعلق هذه الأرقام بالقيمة الحقيقية لاحتياطي البلاد من النقد الأجنبي، حيث أن الرقم المعلن يمثل حائط صد حقيقياً أم مفتعلاً أمام الأزمات الاقتصادية والمالية المتوقعة، وعلاقة ذلك بمعدل التضخم المتقافز والذي يعلن عنه البنك المركزي المصري كل شهر، ورقم العجز المتوقع في الموازنة العامة للدولة بحسب الموازنة المتوقعة للعام المالي الجديد.

وما إذا كان هناك تحسن حقيقي كما يحلو للنظام وأدواته أم أنه تحسن وهمي وفناكيش لا مرود لها على أرض الواقع.

كما تتعلق الأرقام الرسمية المعلنة بتراجع معدلات الادخار في المجتمع وعجز الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي المصري، كما تتعلق الأرقام أيضاً بالأموال الساخنة التي يتواصل هروبها من البلاد عبر البورصة المصرية، وانعكاس ذلك على سوق الصرف الأجنبي المصري.

أولاً: احتياطي النقد الأجنبي المصري

تقول الأرقام الرسمية الصادرة أن قيمة النقد الجنبي بلغت 44.5 مليار دولار بنهاية شهر نوفمبر 2018، وهو رقم (نظرياً) يعتبر مريح للاقتصاد المصري، سواء على مستوى سداد أقساط وأعباء الديون الخارجية، أو سداد فاتورة الواردات.

لكن على أرض الواقع يظل رقم الاحتياطي غير حقيقي المعلن رقماً غير حقيقياً، بل قد يساوي الرقم الحقيقي قرابة الـ 16 مليار دولار فقط، لأن الجزء الأكبر من الاحتياطي المعلن هو عبارة عن قروض خارجية، ويجب أن تخصم من الرقم المعلن قيمة الالتزامات المستحقة على البنك المركزي من ديون وودائع وسندات وغيرها.

وحسب أرقام البنك المركزي نفسه فإن صافي الأصول الأجنبية تراجع إلى 15.361 مليار دولار بنهاية شهر نوفمبر 2018 مقابل 15.994 مليار دولار بنهاية أكتوبر ، وجاء التراجع نتيجة ارتفاع الالتزامات على البنك المركزي بالعملات الأجنبية إلى 28.314 مليار دولار بنهاية نوفمبر مقابل 27.676 مليار دولار بنهاية أكتوبر.

وإذا ما خصمنا حجم الالتزامات على البنك المركزي من رقم الاحتياطي فإن الرقم يتراجع لأقل من النصف، بل ويتراجع لأقل من ذلك إذا ما خصمنا منه قيمة الذهب المدرج ضمن الاحتياطي النقدي كغط للعملة أيضاً.

ولتعويض العجز هنا يجب على النظام البحث عن موارد ذاتية يتم من خلالها تغذية الاحتياطي الأجنبي، كتنشيط السياحة والصادرات وتحويلات المغتربين والاستثمارات الخارجية وهي ليست حلولاً جديدة، فطوال فترة مبارك كانت هذه هي الموارد الرئيسية مع قناة السويس المورد الرئيسي لموازنة الدولة.

ويجب أن يواكب ذلك الحد من الاقتراض الخارجي، خاصة بالنسبة للمشروعات التي لا تدرّ عائداً بالنقد الأجنبي يتم من خلاله سداد قيمة الديون المستحقة، ووضع مزيد من القيود على الواردات الاستهلاكية، خاصة تلك التي لها بدائل من الإنتاج المحلي، مع التذكير هنا أن أي هزة في الاحتياطي قد يصحبها ارتدادات في كامل الاقتصاد وهو ما حدث في سنوات سابقة، وبالتالي يجب اعطاء هذا الملف أولوية لدى صانع القرار.

العام 2019.. تداعي الاقتصاد المصري الأسباب والنتائج

ارتفاع قيمة الدين العام الخارجي

يرتبط باحتياطي النقد الأجنبي رقم آخر متعلق بالدين العام الخارجي والذي في التنا هذه تجاوز مبلغ المائة مليار دولار، وهو رقم ضخم بالنسبة للاقتصاد المصري المتهاوي، فبرغم وعود المتواصلة من حكومة السيسي بالحد من هذه النوعية من القروض، إلا أن وتيرة الاقتراض لا تزال متسارعة وعلى أشدّها مكذبة تلك الوعود الزائفة ، ولا تزال مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة وغيرها من المشروعات غير ذات العائد والتي تقام بالنقد الأجنبي تقترض من الخارج.

وبحسب توقعات اقتصادية لمجموعة هيرمس المالية ، والتي تعتبر من أكبر بنوك الاستثمار في المنطقة، فإن الديون الخارجية لمصر سترتفع بنحو 10 مليارات دولار في عام 2019 وحده ، كما توقع بنك الاستثمار “بلتون” في تقريره السنوي أن يواصل الدين الخارجي ارتفاعه ليصل إلى 107 مليارات دولار بنهاية العام المالي الحالي، مقابل 92 مليار دولار في العام المالي السابق، وذلك في مقابل تمويل فجوة تمويلية تبلغ 11.3 مليار دولار.
وكل هذه الارقام تقديرية بناء على اثرير البنك المركزي ولكن ربما يتجاوز حد الاقتراض الخارجي خلال العام الجاري رقم هيرمس مع إعلان الحكومة عن اقتراض 7 مليارات دولار في الربع الأول من العام الجاري، والحصول على شريحتين من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 4 مليارات دولار في يناير ويوليو، بالإضافة إلى القرض السعودي المخصص لتمويل شراء المشتقات البترولية، وكذا الحصول على قروض مباشرة من كل من البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية وصناديق عربية وغيرها.

وإلى الآن لم يتضح بعد هل سيتم سداد القروض المستحقة لدول مثل الصين بقيمة (2.75 مليار دولار) أم سيتم تأجيلها كما حدث في العام الماضي، وكذلك موقف الديون المستحقة لبعض دول الخليج، ومع توقعات زيادة مجلس الاحتياط الفيدرالي ( البنك المركزي الأميركي) سعر الفائدة على الدولار مرتين خلال العام 2019، فإن هذا يشكل عبئاً إضافياً على كلفة الاقتراض الخارجي لمصر.

ومع زيادة القروض الخارجية للبلاد فإن الإيرادات العامة تصبح رهينة للمؤسسات المالية الدولية، وبدلاً من أن توجه إيرادات الدولة لتمويل مشروعات خدمية واستثمارية تعود بالنفع على المواطن والاقتصاد، فإنها توجّه لسداد أعباء الديون ومستحقات الدائنين، وهنا يتم تخيير المواطن بين سداد هذه الأعباء أو خفض الأسعار وبناء المدارس.

عجز الأصول الأجنبية

بدءاً من منتصف العام الماضي يسجل مستوى صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي المصري عجزاً متواصلاً كما كان عليه الحال قبل تعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016، إذ كان البنك المركزي يحمل البنوك في ذلك الوقت مسؤولية تدبير نقد أجنبي للمستوردين والمستثمرين من دون تغطية هذه الالتزامات، وهو ما كان يطلق عليه وقتها اصطلاحاً بأزمة الطلبات المعلقة، واستمرت هذه الأزمة حتى بعد تعويم الجنيه وتغطية البنك المركزي الطلبات المعلقة.

وتشير الأرقام إلى أن البنوك غطت خروج نحو 8 مليارات دولار من استثمارات الأجانب، خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما أدى إلى عجز في أصولها الأجنبية بقيمة 3.9 مليار دولار في سبتمبر فقط .

وبنظرة لأرقام البنك المركزي نجد أن البنوك حققت عجزاً متواصلاً طوال 16 شهراً منذ نوفمبر 2015 وحتى إبريل 2017 لأسباب تتعلّق بخروج نحو 11 مليار دولار أموالاً ساخنة من السوق المصرية في الفترة من مارس وحتى نوفمبر الماضيين فقط.

وبنظرة لأحدث أرقام صادرة عن البنك المركزي المصري نجد أن عجز الأصول الأجنبية لدى البنوك ارتفع بشكل متواصل، ليصل إلى 7.322 مليارات دولار بنهاية نوفمبر الماضي مقابل نحو 5.5 مليارات دولار بنهاية أكتوبر ، بزيادة قدرها 1.822 مليار دولار.

ولتلافي هذا العجز في الأصول كان يجب على البنوك جذب موارد دولارية ضخمة من عملائها لتغطيته وهو ما لم يحدث، فقد سجلت ودائع العملات الأجنبية بالبنوك نحو 40.939 مليار دولار بنهاية نوفمبر مقابل 40.892 مليار دولار بنهاية أكتوبر ، بزيادة 47 مليون دولار فقط، وهذا الرقم يقلّ عن أسعار الفائدة الممنوحة على هذه الودائع ، أي أن الودائع الدولارية تتناقص بشكل مضطرد، بل وأظهر تقرير حديث للبنك المركزي تراجع الودائع الجارية بالعملات الأجنبية لتسجل 8.176 مليارات دولار مقابل 8.264 مليارات بنهاية أكتوبر.

عجز الموازنة العامة

ونجيئ إلى الرقم الرابع والمتعلق بتفاقم عجز الموازنة العامة للسنوات المقبلة مخالفة لوعود حكومية أعلنتها قبل سنوات وجددتها مع بدء تطبيق ما أطلق عليه اسم برنامج الاصلاح الاقتصادي، ورغم زيادة الاقتراض المحلي والخارجي وارتفاع الإيرادات العامة وفرض الحكومة للمزيد من الضرائب والرسوم ووعود متواصلة بخفض هذا العجز إلا أن الأرقام تشير إلى أن العجز يتفاقم يوماً بعد يوم.

فمن جانبه توقع بنك الاستثمار بلتون مؤخراً ارتفاع فاتورة خدمة الدين “فوائد الدين” لتبلغ 631 مليار جنيه في العام المالي الحالي، وهو ما يشكّل عبئاً شديداً على إيرادات الدولة، وذلك نظراً لارتفاع الدين ذاته إلى قرابة 193 مليار جنيه عن العام الماضي، وزيادته عن المبلغ المقرر في الموازنة العامة عند 541 مليار جنيه.

كما كشف تقرير الأداء المالي للموازنة العامة المصرية، عن زيادة الإنفاق على فوائد الديون لتصل إلى 178.2 مليار جنيه (ما قيمته 9.9 مليارات دولار)، خلال الفترة من أول يوليو وحتى نهاية نوفمبر من عام 2018 (الربع الأول من السنة المالية).

وهنا يصبح هدف خفض عجز الميزانية بشكل عام والذي وعدت به الحكومات مرات أمر صعب المنال، وتصبح إيرادات الموازنة رهينة للديون لا لخدمة المواطن والذي لن يلحظ أياً من أسباب التحسن في حياته اليومية بحسب التسويق الإعلامي الذي يضخ هكذا دعاية سوداء يومياً عبر شاشاته لكسب الوقت ليس إلا.

معدل التضخم

وعلى الرغم من تراجع معدل التضخم السنوي إلى 15.6% خلال شهر نوفمبر الماضي، إلا أن المعدل لا يزال أعلى من معدل ما قبل تعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016، ويشكل التضخم الحالي تحدياً ضخماً أمام صانع السياسة النقدية والمالية والاقتصادية، فهو قطعاً لا يشجع على خفض أسعار الفائدة وخفض الدين العام، ولا يشجع على جذب استثمارات خارجية، وبالتالي يجب العمل على كبح هذا التضخ وهو ما ليس مأمولاً في الواقع القريب.

عن Aml Alommah

شاهد أيضاً

سعر صرف الدولار في مصر.. الآن

سعر صرف الدولار في مصر.. الآن

اختتمت أسعار صرف الدولار، مساء أمس الخميس، تعاملاتها وسط استقرار نسبي . حيث واصلت العملة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *