الرئيسية / رأي / أمريكا وإيران وخريطة القوى الإقليمية الجديدة

أمريكا وإيران وخريطة القوى الإقليمية الجديدة

قلت في مقالات سابقة عن شكل العالم الجديد إن كثيرا مما هو متعارف عليه في العلاقات الدولية والدبلوماسية سيتغير، كما ستتغير موازين القوى وخريطة التحالفات، خصوصا بعد وصول ترامب إلى السلطة، وغزو روسيا لسوريا، وانزلاق السعودية في الوحل اليمني، ناهيك عن محاولة السعودية غزو قطر بدعم إماراتي ومصري ومباركة من ترامب شخصيا، ولولا وقوف وزير خارجيته تيلرسون في وجه هذه المغامرة لكُنا اليوم ننتظر قرارا من الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتشكيل قوة عسكرية لتحرير قطر، على غرار ما حدث في عام 1990 حين غزا صدام حسين الكويت؛ وجيء بالقوات الغربية من كل صوب وحدب لتحرير الكويت.

قبل عام ونيف وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعودية في احتفالية كبيرة؛ كان غرضه منها جمع المال، وقد فعل، وكان غرض من دعاه (سلمان وولده محمد) هو التلويح لإيران بأنها ستواجه حلفا قويا من عدة دول، وأن السعودية الجديدة ستكون هي رئيس مجلس إدارة المنطقة…

عاد ترامب بالمال والصفقات، وزادت ورطة السعودية في اليمن، بل إن الحوثيين قد وصلت صواريخهم وطائراتهم المسيرة إلى عاصمتي السعودية والإمارات، ولا تزال السعودية تبحث عن مخرج. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن السعودية وبعض حلفائها قد ظنوا أن هناك تحركات وشيكة من أجل اعلان الحرب الوشيكة على إيران، ولمَ لا؟ فترامب يهدد ويتوعد ويكتب تغريدات يفهم منها أن ايران قد باتت في مرمى نيرانه وقواته المسلحة…

انتظر الجميع تشكيل قوة عسكرية أو محور عسكري إقليمي، تحرك البعض صوب الكيان الصهيوني لعله يوافق على الاشتراك في الحرب المحتملة مقابل أن تضغط السعودية ومصر على الفلسطينيين من أجل القبول بصفقة القرن، وهي كلمة السر لبيع القضية والتخلي عن القدس.. وإذ فجأة لا شيء على أرض الواقع… فقد تراجع السيسي وغسل يديه من تعبير صفقة القرن، وهو الذي قام بصكه على الملأ في اجتماعه مع ترامب في البيت الأبيض، وفجأة خرجت تصريحات تقول إن الملك سلمان استعاد ملف فلسطين والقدس من ابنه الشاب (…) وأنه لن يتخلى عن القدس..

ما الذي يجري؟

تدرك أمريكا أن العرب السنة لا قيمة لهم، وقد بات واضحا لكل ذي عينين أن ترامب، وفي ساعات قليلة حصل على المليارات، بينما أمريكا التي حاصرت ايران لعقود لم تحصل منها على شيء..

العرب السنة لديهم النفط الذي تتحكم في كميات انتاجه أمريكا والبيت الأبيض.. ولكن ليس لهم رأي فيم يجري في المنطقة.

بعض حكام العرب السنة وقفوا في البداية مع ثورة الشعب السوري وطالبوا برحيل الأسد، ولما أعلن الكيان الصهيوني أن من مصلحته الإبقاء على الأسد، رفعت السعودية يدهاـ واستدعت روسيا لكي تقوم بما عجز عنه بشار وإيران وقواتهما…

وقف بعض حكام العرب السنة ضد الثورة العربية في مصر واليمن وسوريا وليبيا… وفي اللحظة التي يشير لهم سيد البيت الأبيض بإصبعه أو يومئ لهم بإشارة من عينيه أو إحداهما، إذ بهم وقوفا منتصبين…

العرب السنة، وعلى رأسهم السعودية، ليس لديهم خطة ولا هدف إلا توريث الحكم، ومحاربة الديمقراطية، وسحق الشعوب، وملء البطون، وتزوج النساء وزيادة عدد الأمراء حتى يحصلوا على حصة أكبر من ثروات الأوطان…

بينما إيران هي الدولة المركزية والمرجعية للشيعة حول العالم..

ايران دولة تدافع عن منتسبي المذهب الشيعي بكل قوة، وحكومات المنطقة يعرفون أن الإساءة لشيعي واحد تعني الإساء لكل الشيعة في كل مكان…

إيران صمدت في وجه الحصار الأوروبي والعربي الأمريكي لثلاثة عقود، ونجحت في تطوير منظومة نووية اعترف العالم بها بعد مفاوضات شاقة، وحين أراد ترامب التلويح باستخدام القوة لإجبارها على تغيير الاتفاق، وجد نفسه أمام حائط صد كبير، فتراجع وحاول التقرب من إيران. وسوف يلتقي الإيرانيون قريبا مع الأمريكيين ليعيدوا ترسيم حدود القوة في المنطقة رغم أنف حكام السعودية ومصر والإمارات؛ لأن من يملك القوة يملك الكلمة ويستطيع أن يفاوض… أما من لا يملك حتى آبار النفط التي تخرج من باطن أرضه، فليس له كلمة ولا وزن.

من يتابع تزلف ترامب وإعلانه المتكرر أنه يرغب في لقاء الإيرانيين بدون شروط يدرك معنى ما أقوله وما قلته، وأكرره مرارا.. كلمة سر العالم الجديد والقديم هي القوة…

ترامب باع الوهم للسعودية، فقد حصل على المليارات مقابل تمكين ابن سلمان من السلطة، بينما كانت أحلام ابن سلمان تتجاوز فكرة تمكينه من رقاب أبناء العمومة لتعميده وليا لعهد المنطقة، وقد كشفت تصريحاته قبل عام تقريبا عن جهله بالجغرافيا السياسية وبموازين القوى في المنطقة، فأفرط في التصريحات التي تهدد إيران وتتوعدها بأن الحرب ستكون في عقر دارها، فإذا به اليوم يشتري منظومة دفاعة بمليارات الدولارات لصد صواريخ الحوثي طويلة المدى.

الأخبار المتداولة تتحدث عن لقاء مرتقب بين ترامب ووروحاني في مقر الأمم المتحدة، يعني لقاء “رأس برأس” وليس استدعاء، كما جرى مع ابن سلمان قبل أشهر قليلة، حين استدعي للبيت الأبيض في مشهد مهين، حيث قام ترامب باستعراض قدرته على بيع الأسلحة للزبون… فمحمد بن سلمان هو مجرد زبون، بينما روحاني لن يكون زبونا بطبيعة الحال..

لقاء ترامب وروحاني أو المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين لن يكون سهلا، وستعترضه عقبات وسيواجه تحديات وبطبيعة الحال هنالك تنازلات، ولكن الأمر سينتهي باتفاق جديد يجعل من المنطقة فريسة سهلة بين أنياب إيران والكيان الصهيوني الذي أدرك أن مسألة غزو إيران ليست بالأمر السهل، خصوصا وأن إيران على بعد أميال من الكيان، سواء في سوريا أو لبنان، وحتى وإن لم تقم حرب بينهما فالردع هو الذي يمنعها وليس الضعف والخوف.

إيران تتوغل وتنتشر ضمن حسابات دقيقة، بينما السعودية تتزحلق وتنزلق ضمن حسابات ضيقة وضيقة جدا، وحين يغيب مشروع السنة السياسي، فمن الطبيعي أن ينتشر ويزدهر مشروع الشيعة ومشاريع غيرهم.

لا لوم على إيران… فاللوم كل اللوم على الذين دعموا الانقلابات وحاربوا الثورات…

اليوم… تواجهون إيران وحدكم بعد أن فقدتم شعوبكم واستبدلتموهم بأمريكا.

ها هي أمريكا ترفع عنكم الغطاء… فماذا أنتم فاعلون؟

عن رغد إسماعيل

شاهد أيضاً

حمزة زوبع يكتب: أغسطس بين أنقرة ورابعة

  يحمل شهر آب/ أغسطس ذكريات “أم المجازر” البشرية التي وقعت في بر مصر عبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *