الرئيسية / رأي / بشار الأسد .. درس تاريخي للطاغية والطغيان

بشار الأسد .. درس تاريخي للطاغية والطغيان

كان الأمر ميسورا للغاية في أوائل عام 2011 ، عام الربيع العربي ، حيث هبت نسائمه على سوريا ، مثلما هبت على تونس وليبيا ومصر واليمن ، وما زالت الصور والفيديوهات منتشرة في شبكة الانترنت ، لشباب سوريا وفتيات سوريا وهم في الميادين يغنون للحرية “بدنا حرية” ، وبينهم بعض من مشاهير المطربين يغنون معهم أشواقهم ، لا يملكون إلا حناجرهم وآمالا عريضة في أن تنعم بلادهم بالديمقراطية كما ينعم بها غيرهم وأن يكون هناك تداول سلمي للسلطة ، وأن يملك الشباب حقهم في المشاركة في صنع مستقبل بلادهم وأن يتم رفع يد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الباطشة عن كل صوت يعارض أو ينتقد أو يطالب بالحرية ، وأن يتم إطلاق سراح الآلاف من الشباب وقيادات الأحزاب والمفكرين والفنانين والصحفيين الذين اعتقلتهم قوات بشار الأسد وزجت بهم في السجون ، وبعضهم مات تحت التعذيب وقتها ، وبعضهم مات بعد ذلك تحت التعذيب ، وبعضهم دفع أهله كل ما يملكون من أجل تهريبه من السجن وإخراجه خارج البلاد التي تحولت إلى سجن كبير .
كان الأمر يسيرا في البداية ، لو أن بشار الأسد فتح باب الحوار مع شعبه ومع الشباب ، ودعا إلى حوار وطني ، واستجاب لبعض المطالب ، وأعطى بعض الأمل وفتح السجون والمعتقلات ، لكنه خطب في برلمانه المزور والذي اختارته أجهزته الأمنية في مسرحية معروفة في العالم الثالث ، وتحدى الشباب وتحدى ثورة شعبه السلمية ، وقال أنه ليس كغيره ، وأن هذه مؤامرة على سوريا الصمود والمقاومة ، رغم أنه ثبت أنه لا يحمل أي من جينات الصمود ولا المقاومة ، وكان الصهاينة يضربونه كل قلم وأخيه دون أن يرد بطلقة رصاص واحدة ، عشرات المرات تقوم طائرات العدو بقصف معسكرات له أو قواعد أو أي شيء لا يعجبها في سوريا ، وهو يلتزم بالحكمة والصبر ! .
وقرر بشار الأسد أن ينزل بالدبابات إلى الميادين والشوارع ويطلق الرصاص على صدور أي شاب يهتف للحرية ، وأرسل قوات أمنه لتقوم باعتقال عشرات الآلاف من الشبان والشابات والمفكرين والصحفيين وغيرهم من بيوتهم ، وأغلق كل باب للأمل في الإصلاح أو التغيير ، ولما اتسع نطاق الدم ، بدأ بعض ضباط جيشه بالتمرد والانشقاق والانضمام للثورة ، ونظرا للتركيبة الطائفية لجيش بشار ، اتسع نطاق الانشقاق فيه بصورة سريعة للغاية ، وبدأ المنشقون يؤسسون كتائب ، ثم جيش بديل أسموه الجيش السوري الحر ، وتلقى هذا الجيش دعما من عدة دول خليجية كانت قلقة من تحالف بشار مع الإيرانيين الذين يخططون لحصار الخليج العربي من الشمال والجنوب ، وانقلبت المعارك ضد بشار ، وبدأ الجيش الحر يحرر مدنا بكاملها حتى حرر ثلاثة أرباع الأراضي السورية ، ثم وصل إلى حصار العاصمة دمشق وحصار مطارها الدولي ، وأصبح نظام بشار يترنح ، فقام بحركته الخبيثة ، عندما أطلق سراح قيادات الجماعات والتنظيمات المتطرفة والتكفيرية من سجونه وسهل لهم الحصول على السلاح ، ثم مكنهم من الاستيلاء على قرى ومدن في الشرق ليكونوا خنجرا في خاصرة الثورة السورية ، وخاضوا بالفعل معارك دموية عنيفة ضد الجيش السوري الحر وتسببوا في ارتباك كبير وتمزق واسع في صفوف الثورة ، ثم استقدم ميليشيا حزب الله اللبناني ، ثم ميليشيا عصائب أهل الحق العراقية وأخواتها ، ثم الحرس الثوري الإيراني ، ثم لما فشل كل هؤلاء في هزيمة الجيش الحر قام بالاستنجاد بالجيش الروسي ، مقابل منح روسيا حقوقا هائلة في موانئ سوريا ومطاراتها وقواعدها العسكرية المختلفة ، حتى تحولت سوريا إلى بلد محتل بالفعل من الناحية العسكرية ، ولا يمضي قرار هناك إلا القرار الروسي ، بل لا يتحرك بشار نفسه مسافة كيلومتر داخل دمشق أو خارجها إلى بأمر من قائد قاعدة حميميم الروسية .
تجاهل المجتمع الدولي لجرائم بشار ضد شعبه أغراه في الإيغال في الوحشية ، لدرجة استخدامه السلاح الكيماوي لقصف شعبه مرارا ، تم إحصاء أكثر من مائتي مرة ، كأنهم صراصير يقوم بحرقهم أحياء ، هذه حالة نادرة للغاية في المجتمع البشري ، وقد أثبتت بعثة المحققين الدولية التابعة للأمم المتحدة استخدامه الكيماوي ضد شعبه في “خان شيخون” ولكن الأمريكيين استغلوها فقط في أن يفرضوا عليه الخلاص من سلاحه الكيماوي ، فأغراه ذلك في المزيد ، كما منع الروس بالفيتو في مجلس الأمن أي مد لسلطات التحقيق الدولية في جرائم الكيماوي لحمايته من الاتهام المتكرر ، حتى وصلنا إلى مذبحة دوما ، والفضيحة التي وجد العالم نفسه أمامها فبدا الغضب ، والإعلان عن قرار بتأديب هذا “الحيوان” على حد وصف الرئيس الأمريكي .
سوريا الآن تخضع للسيطرة العسكرية من أربع جيوش كبرى ، الجيش التركي في الشمال ، والجيش الأمريكي في الشرق والجيش الروسي في الساحل والغرب ، والجيش الإيراني في الوسط ومحيط العاصمة ، هكذا انتهت سوريا الأسد ، مجرد أشلاء دولة تخضع لسيطرة جيوش دولية ، والسيادة الحقيقية للقوى الأجنبية في سوريا ، بعد أن كان الأمر سهلا وبسيطا في البداية ، مجرد استجابة الحاكم لأشواق شعبه للإصلاح والحرية والتعددية وتخفيف قبضة الأمن ، استعلى على شعبه وقرر قهره ، فانتهى به الأمر مجرد “حيوان” ذليل ومطيع وتائه وخاضع لتوجهات أربع جيوش أجنبية .

عن رغد إسماعيل

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب: انقلاب الضباع الجائعة

  يحكي القيادي العمالي، والنائب اليساري العتيق، البدري فرغلي، في حوار متلفز قصة قانون تم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *