الرئيسية / رأي / جمال سلطان يكتب: “السيسي” وضع الوطن فوق برميل بارود

جمال سلطان يكتب: “السيسي” وضع الوطن فوق برميل بارود

مصر المنقسمة أصبحت على أبواب انقسام وطني وأهلي جديد ، بسبب تمرير البرلمان مدفوعا بضغط قوى غامضة لاتفاقية تيران وصنافير والموافقة على تسليم السيادة فيها للأشقاء في السعودية ، وهناك الآن فتنة عارمة توشك أن تعصف بما تبقى من تماسك المجتمع والدولة ، والكل مرتبك ، والكل قلق ، والكل يتحسب لليوم التالي ، فالشعب منقسم ، والمؤسسات منقسمة ، والأجهزة موقفها غامض ، والسيسي فقد القدرة على التواصل مع الناس أو إقناع الشعب ، بعد أن انتهت مرحلة العواطف وأنتم نور عينينا ، والدعوات تتنادى الآن للاحتشاد في الميادين مفعمة بغضب كبير ، والأمن يطلق تحذيراته من أنه لن يتسامح مع التظاهر ، والبلد وضعت فعليا فوق برميل بارود .
نحن الآن أمام حكم قضائي من أعلى محكمة مصرية يقول بأن الاتفاقية باطلة ومنعدمة ، والدولة ـ بما هي دولة ـ معنية باحترام أحكام القضاء ، وكانت الحكومة والبرلمان قد رضيت الاحتكام للمحكمة الإدارية العليا وناضلت عن موقفها أمام المحكمة وقدمت وثائقها ، ثم انتهى حكم المحكمة بعد ثمانية أشهر من المرافعات والتمحيص إلى بطلان الاتفاقية ، فكان البديهي أن يحترم الجميع هذا الحكم ويضعوه فوق الرؤوس ، لكنا فوجئنا بالحكومة تحيل الاتفاقية إلى البرلمان ، وهي منعدمة ، ورئيس الجمهورية يغض الطرف عن هذا العبث بالقانون وبأساس الدولة ، ثم يكمن البرلمان عدة أشهر وهو صامت ، وخلال ثلاثة أيام يتم “طرمخة” الموافقة في مشهد هزلي أساء إلى مصر حكومة وشعبا وبرلمانا ، وبدا أن أغلبية من وافقوا على الاتفاقية يخفون رؤوسهم عن الناس حتى لا يعرفونهم ، ولذلك أصر رئيس البرلمان على رفض أخذ الموافقة بإبداء الرأي العلني لكل عضو ، لأنه يعرف أن الغالبية ستتهرب ، هناك إدراك بأنها “عمل مشبوه” يتم في الظلام ويخشون أن يراهم الناس .

المشهد الذي جرى في مصر خلال الأسبوع الماضي خرافي في فجاجته ، فبينما الأشقاء في المملكة العربية السعودية صامتون ويتعاملون بهدوء شديد مع المسألة وهم أصحاب المصلحة قطعا في الحصول على الجزيرتين ، نفاجأ بعصبية وهستيريا في مصر وجهد خرافي للدفاع عن حق السعودية في الجزيرتين وأنه لا بد أن تسلم الجزيرتان للمملكة ، ووثائق يتم التطوع بإخراجها وتوظيف حملات إعلامية ضخمة للدفاع عن سعودية الجزيرتين ، وهجوم على المعترضين ورفض لقبول أو حتى مناقشة أية وثائق تثبت أنها مصرية ، ولهفة غير عادية على سرعة الموافقة على الاتفاقية ونقل السيادة على الجزيرتين إلى السعودية ، هذا مشهد يستحيل أن تجده في أي مكان في العالم ، حكومة وبرلمان دولة يناضلان ويحاربان من أجل التنازل عن جزيرتين لدولة أخرى .

الحكومة كانت قد لجأت إلى المحكمة الدستورية لكي تفصل في الموضوع ، والمحكمة ستنظر فيه الشهر المقبل ، ومع ذلك قررت الحكومة سرعة إحالتها إلى البرلمان لتمريرها قبل نظر المحكمة الدستورية ، فبماذا نفسر هذا السلوك ، أيضا ما كشف عنه المستشار عدلي حسين من أن الدستور المصري فى المادة 151 منه أوجب الرجوع إلي الشعب لاستفتائه في كل الاتفاقات التي تتعلق بالسيادة ، وأن مفاد ذلك أن الدستور قد “نزع” من نواب البرلمان صلاحية الموافقة على أي اتفاقية تتعلق بالسيادة أو التنازل عن السيادة ، وأناطها بالشعب “وحده دون غيره ، وهذا يعني أن ما فعله البرلمان انتهاك للدستور ، وعدوان على حق الشعب الأصيل في أن يقول كلمته في الاتفاقية .

هناك اضطراب مؤسسي خطير ، وهناك انقسام شعبي أخطر ، وهناك حرج وإهانات تلحق بمؤسسات وطنية لها في الضمير العام هيبة وحرمة تنتهك الآن بصورة مؤسفة ، ولا أتصور أن رئيسا للجمهورية يخاطر بخوض هذا المجهول ويضطر الوطن لدفع كل هذا الثمن ببساطة ، فهو ثمن فادح جدا ، قد يكلفه السلطة نفسها ، ناهيك عن قتل الولاء للوطن وتدمير مؤسساته ، فما هو الشيء الخطير المجهول الذي يضطر رئيس الجمهورية إلى تمرير الاتفاقية بهذا الشكل وبتلك السرعة ، وهل يمكن أن يتدارك السيسي أمره فيرفض التصديق على الاتفاقية ويعيدها للبرلمان للمناقشة كما فعل في قانون الجمعيات ، أو أن يعلق الموافقة عليها لحين إجراء حوار وطني موسع حولها ، وحسم الجدل القضائي ، والرجوع للشعب صاحب الحق الوحيد والحصري في قرار السيادة ، هي تساؤلات تتعلق بأمل في الإنقاذ ، وإن كنت أشك في أن تتحقق ، لأن العناد راكب الرؤوس .

عن علا محمد

شاهد أيضاً

عصام تليمه يكتب :القدس قضية كل مسلم

بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف، وهو ما يعد اعترافا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *