.jpg)
إذا أردنا أن نقيم أمتنا ونؤسس لمجتمع صالح قادر على مواجهة الحملات المتتالية التي يواجهها ، لابد أن تكون هناك هذه الصلة من التراحم بين المسلمين بعضهم البعض ، وبينهم وبين البشر جميعا أياً كانت ملتهم وجنسهم وعقيدتهم " حول هذا المعنى دارت مؤخرا ندوة لمناقشة كتاب "رحماء بينهم" للباحث الإسلامي د. راغب السرجاني ، في ختام الأنشطة الثقافية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.
يستعرض الكتاب بعض الأمثلة للتراحم بين البشر وقيمتها ، ومنها ما قدمه المؤرخ ويل ديوارنت في كتابه "قصة الحضارة" عن "التراحم" بين أفراد المجتمع الواحد فالإنسان البدائي في الأسكيمو والذي لم يؤسس حضارة بعد ولم تشهد حياته أي مدنية كان إذا حصل على طعام لا يحتفظ به لنفسه وإنما يتقاسمه مع من حوله، كذلك ما ذكره الرحالة الأمريكي كابتن كالفر عن الهنود الحمر حيث كان الفرد منهم لا يقبل أن يكتنز الطعام في منزله في حين يكون جاره جائعا لا يجد ما يأكله، ونفس الأمر في القبائل الإفريقية.
ومن خلال الأمثلة السابقة نجد أن هذا الإنسان في العصور القديمة على الرغم من عدم تعرفه على الحضارة أو الدين إلا انه امتلك الفطرة الإنسانية في العطاء والتراحم والتكافل بين أفراد القبيلة، وكان هذا سلوكا عاما في البشرية قبل أن تلوث الحضارات المادية العالم.
وفقاً للسرجاني يثبت ديورانت من خلال كتابه أن الحضارات هي التي أفسدت الفطرة الطبيعية للإنسان ويضرب مثالا بالحضارة اليونانية بقوله : "أصبحت الطبقية مرسخة بالقانون في الدولة اليونانية الأولى" وقد أهملت الحضارة اليونانية معنى التراحم، وكان الشعب قليلا ما يعبر عن وخز الضمير عن هذا الأمر .
عندما تحدث أحد فلاسفة اليونان وهو أفلاطون عن "المدينة الفاضلة" على الرغم من محاولته تقديم رؤية تؤدي بالمجتمع للسعادة إلا أنه قسم مدينته وفقاً لتخيله إلى ثلاث طبقات الأولى من الأحرار المفكرين الفلاسفة وهم قلائل، ثم طبقة الجند وهي طبقة تعمل لخدمة المجتمع وليس لها حق في الملكية، ثم طبقة العبيد وهذه هي الطبقة العامة في المجتمع، ثم وضع حدودا بين كل طبقة بحيث لا تختلط إحداها بالأخرى وبالتالي لا يوجد وفقاً لتقسيم افلاطون أي تواصل أو تكافل بين هذه الطبقات.
وهذا ما ظهر أيضاً في العديد من الحضارات الأخرى السابقة لظهور الإسلام، حيث شهدت تلك الحضارات طغيانا على حقوق الأفراد في المجتمع وغيابا لمعنى التراحم بينهم، هذه الصورة جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يعلق على حالة الأرض قبل ظهور الإسلام قائلاً إن "الله سبحانه وتعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم جميعاً إلا بقايا من أهل الكتاب"
ويقول د.راغب السرجاني إن الإسلام جاء برؤية التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع الواحد وكان دعامة رئيسية من دعامات المجتمع المسلم، ومن خلال كتابه أعطى السرجاني أمثلة عديدة عن التراحم بين المسلمين بعضهم البعض وبين غيرهم.
فيأتي أبو بكر الصديق ليضرب أروع الأمثلة عن "التراحم" حيث كان رضي الله عنه من أثرياء قريش في مكة المكرمة، وانفق الكثير من أمواله لتحرير العبيد والفقراء، فكان يشتريهم ثم يعتقهم ويحررهم من ذل العبودية، وعلى الرغم من امتلاكه في بداية الدعوة الإسلامية لأربعين ألف درهم، إلا أنه عقب الهجرة إلى المدينة المنورة لم يتبق معه سوى خمسة ألاف درهم، حيث صرف أمواله كلها على استنقاذ العبيد والإماء وخدمة الهجرة وما أكثر المواقف في حياته.
كما ذكر السرجاني أحد المواقف التي دارت بين كل من أبى بكر الصديق رضي الله عنه وأمية بن خلف والذي كان يملك بلال بن رباح ويذيقه شتى أنواع العذاب، فرق قلب الصديق رضي الله عنه له وتألم لعذابه فقرر شراءه لعتقه من الرق حتى أنه دفع ثمنا له خمسة أوقيات من الذهب على الرغم من أنه رقم مبالغ فيه ولكن الصديق لم يتردد في شرائه، حتى أن أمية قال له لو كنت قلت لي أوقية واحدة لبعته لك فجاء رد الصديق لو قلت لي مائة أوقية لاشتريته.
مثال آخر للتراحم ضربه طلحة بن عبيد الذي جاءه مبلغ من المال قدره 700 ألف درهم وبات مهمومًا وحزينًا لوجود هذا المال معه، وعندما سألته زوجته أم كلثوم ابنة أبي بكر عن سبب حزنه قال لها: ما ظن ربي بي إذ أبيت وهذا المال في بيتي، ولم ينعم بالراحة إلا بعد ان انطلق في المدينة يوزع ماله على الفقراء ويتراحم مع إخوانه من فقراء المسلمين.
فورث طلحة هذا من رسول الله فكان كثير العطاء وعاش في الحالة النفسية التي عاش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد السرجاني على أن هذا المثال متكرر جدا في السيرة النبوية وهي الفترة التي نعول عليها في بناء امتنا، وأنه لكي نعود لبناء الأمة ونرجعها للمكانة التي كانت عليها لابد العودة للأصول وأهمها الرحمة بين أفراد المجتمع المسلم الواحد.
ولم يكتف المسلمون بالتراحم فيما بينهم فقط ولكن امتد تراحمهم مع غيرهم ممن لا يشتركون معهم في عقيدة أو مبادئ أو دين، ولكن يشتركون معاً في الإنسانية فقط، وفهموا قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "ولقد كرمنا بني آدم" أي أن كل بني آدم كرموا ولم يقصر الله التكريم فقط على المسلمين.
كما جاء ترسيخ معنى التكافل في كل صوره المعنوية والمادية فيما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما مرت به جنازة يهودي فوقف الرسول عند مرورها احتراماً للنفس الإنسانية التي ماتت، فقال له أحد الصحابة أنها جنازة يهودي فقال له الرسول الكريم "أو ليست نفس"، ولم يجلس حتي توارت الجنازة.
أيضاً موقف آخر للتراحم بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى يعلمه لنا رسول الله عندما مرض غلام يهودي كان يعمل في خدمته فذهب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته ليعوده ويطمئن على صحته، وقال له الرسول: أسلم، فنظر الطفل لأبيه فقال له والده :اطع ابا القاسم، فأسلم الغلام، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار.
وعن الكتاب يقول د.السرجاني: استعرضت التراحم بين المسلمين بشكل عام وبين المسلمين وغيرهم في كل مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة في عهد الرسول والخلفاء الراشدين والخلافة الأموية والعباسية والمماليك والأندلس وغيرها من العصور لإيضاح كيف استطاع المسلمون أن يطبقوا هذه المعاني، وأنه بالابتعاد عن هذه المعاني السامية فهذا يعني بداية الهاوية والسقوط وضياع كيان الأمة الإسلامية.
جدير بالذكر أن د.راغب السرجاني هو مؤرخ إسلامي وطبيب ، وتدرج في المناصب حتى صار أستاذاً بكلية الطب جامعة القاهرة.
أنشأ مركز الحضارة للدراسات التاريخية الذي يشرف عليه ويرأس مجلس إداراته، ثم انشأ موقع "قصة الإسلام" أكبر موقع للتاريخ الإسلامي على شبكة المعلومات الدولية، ولأنه وعى التاريخ وفهمه تحقق له ما يسمى الاجتهاد التاريخي وهو ما أتاح له الانطلاقة في مشروعه الفكري الكببير "معاً نبني خير أمة" مؤسساً اجتهاده هذا على دراسة التاريخ الإسلامي.
كما كانت له إسهامات علمية ودعوية ضخمة ما بين مقالات وكتب ومحاضرات وتحليلات في أنحاء العالم ومن أبرز ما قدمه في الفكر الإسلامي والتاريخ "ماذا قدم المسلمون للعالم" إسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية وهو الكتاب الذي حصل عنه على جائزة مبارك للدراسات الإسلامية لعام 2006، "الأبرز في حياة الرسول" وهو الكتاب الحاصل على المركز الأول في مسابقة البرنامج العام للتعريف بنبي الرحمة عام 2007، "قصة التتار من البداية إلى عين جالوت"، "قصة الحروب الصليبية"، "العلم وبناء الأمم دراسة تفصيلية في بناء الدولة وتنميتها"، وغيرها العديد من الكتب